الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
81
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
فعلم منه أن الإيمان هو التصديق بما وراء الحجاب ، وهو ما دون اليقين والتقوى ، واليقين الذي هو الكشف للواقع هو فوقه ، كما لا يخفى . وثانيهما : إطلاقه على اليقين وعلى جميع المراتب التي تكون لأولياء اللَّه تعالى . ففيه بإسناده عن إسحاق بن عمار ، قال : سمعت أبا عبد اللَّه عليه السّلام يقول : " إن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم صلى بالناس الصبح ، فنظر إلى شاب في المسجد ، وهو يخفق ويهوى برأسه ، مصفرّا لونه ، قد نحف جسمه وغارت عيناه في رأسه ، فقال له رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : كيف أصبحت يا فلان ؟ قال : أصبحت يا رسول اللَّه موقنا ، فعجب رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم من قوله ، وقال له : إن لكل يقين حقيقة ، فما حقيقة يقنيك ؟ فقال : إن يقيني يا رسول اللَّه هو الذي أحزنني ، وأسهر ليلي واظمأ هواجري ، فعزفت نفسي عن الدنيا وما فيها ، حتى كأنّي أنظر إلى عرش ربي ، وقد نصب للحساب ، وحشر الخلائق لذلك وأنا فيهم ، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتنعمون في الجنة ، ويتعارفون على الأرائك متكئون ، وكأني أنظر إلى أهل النار وهم فيها معذبون مصطرخون ، وكأني الآن أسمع زفير النار يدور في مسامعي . فقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم لأصحابه : هذا عبد نور اللَّه قلبه بالإيمان ، ثم قال له : الزم ما أنت عليه ، فقال الشاب : أدع اللَّه لي يا رسول اللَّه أن أرزق الشهادة معك فدعا له رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فلم يلبث أن خرج في بعض غزوات النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فاستشهد بعد تسعة نفر ، وكان هو العاشر " . فهذا الحديث وارد لبيان اليقين ، وما له من الحقيقة والعلامة ، وهو فوق درجة الإيمان بالمعنى السابق . ومع ذلك أطلق رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم عليه لفظ الإيمان بقوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : " هذا عبد نور اللَّه قلبه بالإيمان " . ووجه إطلاقه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم الإيمان على اليقين ، هو أن حقيقة الإيمان هو القبول والعقد القلبي والسكون إلى شيء كما علمت .